سيد محمد طنطاوي
31
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
وحذر منهم في أحاديث كثيرة . ومن ذلك ما رواه البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عائشة - رضى اللَّه عنها - قالت : تلا رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم هذه الآية : * ( هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْه آياتٌ مُحْكَماتٌ ) * . . إلخ الآيات قالت : قال رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم « فإذا رأيت الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سمى اللَّه فاحذروهم » « 1 » . وقد استجاب الصحابة - رضى اللَّه عنهم - لوصايا الرسول صلَّى اللَّه عليه وسلَّم فكانوا يتباعدون عن الذين في قلوبهم زيغ . ويزجرونهم ويكشفون عن أباطيلهم . قال القرطبي : « حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي : قال : أنبأنا سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن يزيد بن حازم ، عن سليمان بن يسار أن صبيغ بن عسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء : فبلغ ذلك عمر - رضى اللَّه عنه - فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل . فلما حضر قال له عمر : من أنت ؟ قال : أنا عبد اللَّه صبيغ . فقال عمر - وأنا عبد اللَّه عمر : ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه ، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه فقال حسبك يا أمير المؤمنين ! ! فقد واللَّه ذهب ما كنت أجد في رأسي » « 2 » . ثم بين - سبحانه - أن تأويل المتشابه مرده إلى اللَّه - تعالى - وأن الراسخين في العلم يعلمون منه ما يوفقهم اللَّه لمعرفته فقال ، * ( وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إِلَّا اللَّه والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِه كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الأَلْبابِ ) * . وقوله - تعالى - * ( والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) * من الرسوخ وهو الثبات والتمكن وأصله في الأجرام ، أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض ، واستعمل في المعاني ومنه رسخ الإيمان في القلب . أي ثبت واستقر وتمكن . والألباب ، جمع لب وهو - كما يقول الراغب - العقل الخالص من الشوائب وسمى بذلك لكونه خالص ما في الإنسان من معانيه ، كاللباب واللب من الشيء وقيل هو ما زكا من العقل ، فكل لب عقل وليس كل عقل لبا ، ولهذا علق اللَّه - تعالى - الأحكام التي لا يدركها إلا العقول الزكية بأولى الألباب » « 3 » . قال الآلوسي : « وقوله * ( وما يَعْلَمُ تَأْوِيلَه إِلَّا اللَّه والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ ) * في موضع الحال من
--> ( 1 ) أخرجه البخاري في كتاب التفسير ج 6 ص 42 . طبعة مصطفى الحلبي سنة 1345 ه ( 2 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 14 ( 3 ) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 644 .